فصل: تفسير الآيات (104- 105):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البحر المديد في تفسير القرآن المجيد (نسخة منقحة)



.تفسير الآيات (94- 99):

{وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (94) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آَبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (95) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (96) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (97) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (99)}
يقول الحقّ جلّ جلاله: {وما أرسلنا في قرية من نبي} أي: رسول {إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء} أي: بالبؤس والضر، كالقحط والأمراض، {لعلهم يضَّرَّعون} أي: يتضرعون ويتذللون، {ثم بدَّلنا مكانَ} الحالة {السيئةِ} الحالة {الحسنةَ} أي: أعطيناهم، بدل ما كانوا فيه من البلاء والشدة، السلامة والسعة، {حتى عَفَوا}: كثروا عَددًا وعُددًا، يقال: عفا النبات: إذا كثر، ومنه: «اعفُو اللِّحى» {وقالوا قد مسَّ آباءنا الضراءُ والسراءُ}؛ كُفرًا لنعمة الله عليهم، ونسيانًا لذكره، واعتقادًا بأنه من عادة الدهر يتعاقب في الناس بين السراء والضراء، فقد مس آباءنا منه شيء مثل ما مسنا، {فأخذناهم بَغتةً}: فجأة {وهم لا يشعرون} بنزول العذاب.
{ولو أن أهل القرى} المتقدمة في قوله: {وما أرسلنا في قرية من نبي} وقيل: مكة وما حولها. وقيل: مطلقًا، {آمنوا واتقَوا} مكان كفرهم وعصيانهم، {لفتحنا عليهم بركاتٍ من السماء والأرض}؛ لوَسعنا عليهم الخير، ويسرناه لهم من كل جانب. وقيل: المراد: المطر والنبات. {ولكن كذبوا} بالرسل، وكفروا النعم، {فأخذناهم بما كانوا يكسبون} من الكفر والمعاصي.
{أفأمِن أهل القرى} أي: أبعد ذلك أمن أهل القرى {أن يأتيهم بأسنا بياتًا وهم نائمون}؟ أي: ليلاً، في حال نومهم. {أوَ أمِنَ أهل القرى أن يأتيهم بأسنا} أيضًا {ضُحىً}؛ ضحوة النهار {وهم يلعبون} من فرط الغفلة، أو يشتغلون بما لا ينفعهم، {أفأمِنُوا مكرَ الله} وهو أن يستدرجهم بالنعم حتى يأخذهم بغتة؟ {فلا يأمنُ مكرَ الله إلا القومُ الخاسرون} الذين خسروا أنفسهم، بترك النظر والاعتبار، حتى هلكوا، فلم ينفعهم حينئذٍ الندم.
الإشارة: إظهار المِحَن والمِنَن وتعاقبهما على الإنسان، حكمتها: الرجوع إلى الله، وتضرع العبد إلى مولاه، فمن فعل ذلك كان معتمدًا عليه في الحالتين، مغترفًا من بحر المنة بكلتا اليدين، ومن نزلت به المحن ثم أعقبته لطائف المنن، فلم يرجع إلى مولاه، ولا شكره على ما خوله من نعماه، بل قال: هذه عادة الزمان؛ يتعاقب بالسراء والضراء على الإنسان، فهذا عبد منهمك في غفلته، قد اتسعت دائرة حسه، وانطمست بصيرة قدسه، يصدق عليه قوله تعالى: {أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ أَضَلُّ أُوْلِئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ} [الأعرَاف: 179].
وقال القشيري في قوله تعالى: {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا...} الآية: أي: لو آمنوا بالله واتَّقُوا الشرك {لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض} بأسباب العطاء، فإن سَبَقَ بخلافه القضاء فأبواب الرضا، والرضا أتم من العطاء. ويقال: ليس العبرة بالنعمة؛ العِبرة بالبركة في النعمة. اهـ.
قوله تعالى: {ولكن كذَّبوا} أي: شكُّوا في هذا الوعد فلم يتقوا بالإيمان والتقوى حتى يتركوا الأسباب، والشاك في الصادق المصدوق مكذب. وقال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه: للناس أسباب، وسببنا الإيمان والتقوى، ثم تلا هذه الآية: {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا...} الآية، وقد تقدم عند قوله: {الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوَاْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ} [الأنعَام: 82]. ما يتعلق بالأمن من مكر الله.

.تفسير الآيات (100- 102):

{أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (100) تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (101) وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (102)}
قلت: {أن لو نشاء}: {أن} مخففة، وهي وما بعدها: فاعل {يَهدِ} أي: أو لم يتبين لهم قدرتنا على إهلاكهم لو نشاء ذلك؟ وإنما عدى يهدي باللام؛ لأنه بمعنى يتبين، و{نطبع}: استئناف، أي: ونحن نطبع على قلوبهم.
يقول الحقّ جلّ جلاله: {أوَ لم يهدِ} أي: يتبين {للذين يرثون الأرضَ من بعد أهلها} أي: يخلفون من قبلهم ويرثون ديارهم وأموالهم، {أن لو نشاء أصبناهم} أي: أهلكناهم {بذنوبهم} بسبب ذنوبهم، كم أهلكنا من قبلهم، لكن أمهلناهم ولم نهملهم، {و} نحن {نَطبَعُ على قلوبهم} بالغفلة والانهماك في العصيان، {فهم لا يسمعون} سماع تدبر واعتبار.
{تلك القرى}، التي قصصنا عليك آنفًا، {نقصّ عليك من أنبائها} من أخبارها، أي: بعض أخبارها، ولها أبناء غيرها لا نقصها عليك {ولقد جاءتهم رسُلهم بالبينات}: بالمعجزات، {فما كانوا ليؤمنوا} عند مجيئهم، بها {بما كذَّبوا من قبل} مجيئها، يعني: أن ظهور المعجزات لم ينفعهم، بل الشي الذي كذبوا به قبل مجيئها، وهو التوحيد وتصديق الرسل؛ استمروا عليه بعد مجيئها.
أو: {فما كانوا ليؤمنوا} مدة عمرهم بما كذبوا به أولاً، حيث جاءتهم الرسل، فلم تؤثر فيهم دعوتهم المتطاولة والآيات المتتابعة. {كذلك يطبعُ الله على قلوب الكافرين} فلا تلين شكيمتهم بالآيات والنذر.
{وما وجدنا لأكثرهم} أي: لأكثر أهل القرى {من عهدٍ}، بل جُلُّهم نقصوا ما عَهدناهم عليه من الإيمان والتقوى بإنزال الآيات ونصب الحجج، {وإن وجدنا أكثرَهم} أي: علمناهم {لفاسقين}، وإن مخففة، واللام: فارقة.
الإشارة: ينبغي لمن فتح الله بصيرته أن ينظر بعين الاعتبار فيمن سلف قبله، كيف تركوا الدنيا ورحلوا عنها، ولم يأخذوا منها إلا ما قدموا أمامهم؟ قَدِموا على ما قدَّموا، وندموا على ما خلفوا، ولم ينفعهم الندم وقد زلت بهم القدم، فالدهر خطيب يُسمع القاصي والقريب، وهو ينادي بلسان فصيح، عادلاً عن الكتابة إلى التصريح، قائلاً: أمَا حَصلَ لكم الإنذار؟ أما كفاكم ما تشاهدون في الاعتبار؟ أين من سلف قبلكم؟. أوَ ما كانوا أشد منكم أو مثلكم؟ قد نما ذكرهم وعلا قدرهم، وخسف بعد الكمال بدرهم، فكأنهم ما كانوا، وعن قريب مضوا وبانوا، أفضوا إلى ما قدموا، وانقادوا قهرًا إلى القضاء وسلموا، في أيها الغافلون، أنتم بمن مضى لاحقون، ويا أيها الباقون؛ أنتم إليهم تساقون، قَضاءٌ مبرم، وحُكمٌ ملزم، ليس عند محيد لأحد من العبيد.

.تفسير الآية رقم (103):

{ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآَيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (103)}
يقول الحقّ جلّ جلاله: {ثم بعثنا} من بعد الرسل المتقدمين {موسى} بن عمران {بآياتنا}: بمعجزاتنا الدالة على صدقه، {إلى فرعون ومَلَئِهِ فظلموا بها} أي: طغوا بسببها، وزادوا عتوًا على عتوهم، {فانظر كيف كان عاقبة المفسدين} كيف غرقوا عن آخرهم، وأكلهم البحر.
الإشارة: إذا أراد الله تعالى أن يُهلك قومًا بعث إليهم من يُذكرهم، فإذا زادوا في العتو والطغيان عاجلهم بالعقوبة. ذكر الشعراني: أن مدينة بالمشرق صنعوا وليمة يتنزهون فيها، فخرجوا إلى بستان، فلما صنعوا الطعام دخل عليهم فقير، فقال: أعطوني، فأعطوه، ثم قال: أعطوني فزادوه، ثم قال أعطوني، فجروه حتى أخرجوه، فأرسل عليهم مَن أخرجهم من تلك المدينة وخربها، فهي خربة إلى اليوم. سبحان المدبر الحكيم الواحد القهار!.

.تفسير الآيات (104- 105):

{وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (104) حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (105)}
قلت: من قرأ: {عليّ}؛ بشد الياء، فحقيق: مبتدأ، و{عليّ}: متعلق به، و{ألاَّ أقول}: خبره، أي: حقيق عَلَيَّ قولُ الحق. ومن قرأ: {عَلَى}؛ بالتخفيف، فحقيق: صفة لرسول، و{على}: حرف جر، و{ألاَّ أقول}: مجرور، أي: إني رسول حقيق على قول الحق، وعدَّاه بعلى؛ لتضمنه معنى حريص، أو تكون {على} بمعنى الباء أي: حقيق بقول الحق، وقد يبقى على أصله لأمن الالتباس؛ والمعنى: حقيق على قول الحق أنا أكون أنا قائله، لا يرضى إلا مثله ناطقًا به. انظر البيضاوي.
يقول الحقّ جلّ جلاله: {وقال موسى يا فرعونُ إني رسولٌ من ربِّ العالمين حقَيقٌ} واجب {على أن لا أقول على الله إلا الحقَّ}؛ لأنني معصوم من النطق بغيره، فإن كذَّبتني فقد {جئتكم ببيّنة من ربكم} أي: بمعجزة واضحة، تدل على صدقي، وهي العصا: {فأرْسِلْ معي بني إسرائيل} أي: فخل سبيلهم، حتى يرجعوا معي إلى الأرض المقدسة: التي هي وطنُ آبائهم، وكان قد استعبدهم واستخدمهم في الأعمال الشاقة؛ وذلك أنه لما تُوفِّي يوسف عليه السلام غلب عليهم فرعونُ واستعبدهم حتى أنقذهم الله على يد موسى، وكان بين اليوم الذي دخل فيه يوسف مصر واليوم الذي دخله موسى رسولاً إلى فرعون: أربعمائة عام.

.تفسير الآيات (106- 112):

{قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآَيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (106) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (107) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (108) قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (109) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (110) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (111) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (112)}
قلت: يقال: أرجأ، بالهمز، يرجئ بمعنى آخر؛ فمن قرأ بالهمزة فعلى الأصل، ومن قرأه بغير الهمزة فيحتمل أن يكون بمعنى المهموز، وسهلت الهمزة، أو يكون بمعنى الرجاء، أي: أطعمه، وأما ضم الهاء وكسرها فلغتان، وأما إسكانها فلغة؛ أجرى فيها الوصل مجرى الوقف. وقد تتبع البيضاوي توجيه القراءات، فانظره إن شئت.
يقول الحقّ جلّ جلاله: {قال} فرعون لموسى عليه السلام: {إن كنتَ جئتَ بآيةٍ} مَن عند مَن أرسلك، كما ذكرتَ، {فأتِ بها} وأحضرها ليَثبت بها صدقك {إن كنت من الصادقين} في دعواك، {فألقى عصاه فإذا هي ثعبانٌ مبين} أي: ظاهر أمره، لا يشك في أنه ثعبان، وهي الحية العظيمة.
رُوِي أنه لما ألقاها صار ثعبانًا أشعر، فاغرًا فاه، بين لحييه ثمانون ذراعًا، وضع لحيه الأسفل على الأرض والأعلى على سور القصر، ثم توجه نحو فرعون، فهرب منه وأحدَثَ، وانهزم الناسُ مُزدحمين، فمات منهم خمسة وعشرون ألفًا، وصاح فرعون: يا موسى، أنشدك الذي أرسلك خذه، وأنا أُومن بك، وأرسل معك بني إسرائيل، فأخذه فعاد عصًا. قاله البيضاوي.
ثم أظهر له معجزة أخرى: {ونَزَعَ يدهُ} من جيبه، أو من تحت إبطه، {فإذا هي بيضاءُ للناظرين} أي: بيضاء بياضًا خارجًا عن العادة، يجتمع عليها النظارة، أو بيضاء للنظار، لا أنها كانت بيضاء في خلقتها، بل كانت شديدة الأدمة كلون صاحبها. رُوِي أنه كان شديد الأدمة فأدخل يده في جيبه أو تحت إبطه، ثم نزعها، فإذا هي بيضاء نورانية، غلب شعاعُها شعاعَ الشمس.
{قال الملأُ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم}، قيل: هو وأشرافُ قومه، على سبيل المشاورة في أمره، فحكى عنه في سورة الشعراء، وعنهم هنا، أو قاله هو ووافقوه عليه، كعادة جلساء الملوك مع أتباعهم. {يريد أن يُخرجكم من أرضِكم} بالحيل، أو بالقتال، أو بإخراج بني إسرائيل، وكانوا خدامًا لهم، فتخرب البلد من بعدهم، لأنهم خدامها وعمارها. قال فرعون: {فماذا تأمرون} أي: تُشيرون عليَّ أن أفعل؟ {قالوا أرجِه} أي: أخّره {وأخاه} أي: أخرّهما حتى تنظر في أمرهما، وقيل: أمروه بسجنهما، {وأرسل في المدائن} أي: مدائن عمالتك {حَاشرين} يحشرون لك السحرة، {يأتوك بكلِّ ساحرٍ عليم}.

.تفسير الآيات (113- 119):

{وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (113) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (114) قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (115) قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (116) وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (117) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (118) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (119)}
قلت: من قرأ: {أإن} بهمزتين، فهو اسم استفهام، ومن قرأ بهمزة واحدة، فيحتمل أن يكون خبرًا، كأنهم قالوا: لابد لنا من أجر، أو استفهامًا حُذفت منه الهمزة، والتنكير للتعظيم، واستأنف الجملة، كأنها جواب عن سائل قال: فماذا قالوا إذ جاؤوا؟ قالوا: إن لنا لأجرًا... إلخ، و{إنكم}: عطف على ما سدّ مسده نعم، من تمام الجواب، كأنه قال: نعم نعطيكم الأجر ونقربكم.
يقول الحقّ جلّ جلاله: {وجاء السحرةُ فرعونَ} بعد ما أرسل الشرطة في طلبهم، {قالوا} لما وصلوا إليه: {إن} أئن {لنا لأجرًا إن كنا نحن الغالبين} لموسى؟ {قال نعم} إن لكم أجرًا {وإنكم لَمِنَ المقربين} إليّ. فأنعم لهم بالأجر، وزادهم التقريب منه والجاه عنده؛ تحريضًا لهم. واختُلف في عدد السحرة اختلافًا متباينًا، من سبعين رجلاً إلى سبعين ألفًا، وكل ذلك لا أصل له في صحة النقل.
ولمَّا خرجوا إلى الصحراء لمقابلته {قالوا يا موسى إما أن تُلقي وإما أن نكونَ نحن الملقين}؛ خيّروا موسى مراعاة للأدب، وإظهارًا للجلادة، ولكن كانت رغبتهم في أن يلقوا قبله، ولذلك عبَّروا عن إلقاء موسى بالفعل وعن إلقائهم بالجملة الاسمية، وفيه إشارة إلى أنهم أهل الإلقاء المتمكنون فيه. ولذلك أسعفهم، {قال ألقوا} أسعفهم كرمًا ومسامحة وازدراءً بهم، {فلما ألقوا سحروا أعين الناس}، بأن خيلوا إليها خلاف ما في حقيقة الأمر، {واسترهبوهم} أي: خوفوهم بما أظهروا لهم من أعمال السحر، {وجاؤوا بسحر عظيم} في فَنّه. رُوِي أنهم ألقوا حبالاً غلاظًا، وخشبًا طوالاً، كأنها حيات، ملأت الوادي، وركب بعضها بعضًا.
{وأوحينا إلى موسى أن ألقِ عصاكَ}، فألقاها، فصارت ثعبانًا عظيمًا، على قدر الجبل، وقيل: إنه طال حتى جاوز النيل، {فإذا هي تَلقَفُ} أي: تبتلع {ما يأفِكُون} ما يُزَوِّرُونَهُ من إفكهم وكذبهم، رُوِي أنها لما ابتلعت حبالهم وعصيهم، وكانت ملأت الوادي، فابتلعتها بأسرها، أقبلت على الحاضرين، فهربوا وازدحموا حتى هلك منهم جمع عظيم، ثم أخذها موسى فصارت عصًا كما كانت، فقال السحرة: لو كان هذا سحرًا لبقيت حبالنا وعصينا.
{فوقعَ الحقُّ} أي: ثبت بظهور أمره، {وبَطَلَ ما كانوا يعملون فَغُلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين} أي: صاروا أذلاء مبهوتين، أو انقلبوا إلى المدينة مَقهورين.